ان البشر كائنات تعيش في مجاميع ومجموعات و في عالم ملئ بالتواصل السريع والتأثيرات الاجتماعية ، لم يعد يمكن للإنسان ان يفكر بمعزل عن أفكار الآخرين و بذلك يكون جزء من منظومة فكرية أكبر تعرف باسم العقل الجمعي
وهذا المفهوم لا يقتصر على مشاركة الأفكار بين أفراد المجتمع فحسب بل يمتد هذا التأثير العميق للجماعة والذي تمارسه على الفرد حتى في أبسط قرارته الحياتية ولذلك فنحن نجد أنفسنا أمام هذه المشاهدات مثل اتفاق عدد كبير من الناس على رأي معين أو انتشار أفكار معينة بسرعة دون تدقيق وهذا يرجع لما نسميه العقل الجمعي
ما هو العقل الجمعي the collective mind
ان العقل الجمعي هو ذلك الكيان الغير مرئي الذي يربط بين العقول ويشكل وعي مشترك يؤثر في سلوك المجتمع بالكامل
حيث أنه
اذا وجد أثنين أو ثلاثة يحملون نفس الفكرة ينشأ مجال من الطاقة يحتوي هذه الفكرة ويسمى عقل جمعي حيث ان عقلين أو أكثر متفقين على فكرة معينة يسمى عقل جمعي ، ان أكثر من عقل اذا ركزوا على فكرة معينة فان الطاقة الخارجة من هذه العقول تجعل سرعة تحقق الفكرة الخارجة من هذه العقول تجعل سرعة تحقق الفكرة أعلى بكثير مم تكون في عقل شخص واحد حيث تشترك الإنسانية في حقل لا مرئي تنتقل فيه أفكارنا ومعتقداتنا بشكل ما
ان عقلنا هو مجال مفتوح
ولذلك يسمح لهذه الأفكار والمعتقدات ان تؤثر فيه حيث تؤثر في الوعي والمشاعر والأحاسيس وتعمل على توجيه الانتباه والتركيز والمناقشات ومجال الاهتمام
العقل الجمعي له تأثير واضح ومهم على فكرنا وبالتالي على نوعية الأحداث التي نعيشها كذلك فان العقل الجمعي يتكون من مجموعة من المعتقدات والقيم والأفكار المشتركة التي تتكون داخل مجتمع معين نتيجة التفاعل المستمر بين أفراده هذا التأثير هو الذي يعمل على استفزاز واستمالة الانتباه اليه وهذا يحدث ازعاج متواصل داخل الافراد وبشكل متكرر وغالبا ما ينتهي بالانصياع له
بمعنى أخر له
الوعي المشترك الذي يجعل مجموعة من الناس تتصرف أو تفكر بطريقة متشابهة وحتى وان لم يكن هناك اتفاق صريح بينهم
التفكير الجماعي
حين تنتشر مقولات ويتبناها الناس ويؤمنوا بها وتصبح معتقد عندهم ويصدقونها بشكل يقيني ويعتبرونها حقيقة
فقد ظهر مفهوم العقل الجمعي في علم الاجتماع و علم النفس وارتبط بفكر علماء كبار مثل إميل دور كهايم الذي تحدث عن
الضمير الجمعي باعتباره قوة تتحكم في سلوك الافراد داخل المجتمع لذا يجب الانتباه لكل ما نشاهد و نقرأ ونسمع لأن التأثير الجمعي قد يسيطر على حياتنا و يجعلنا نفكر كالقطيع حيث توجد مقولات تقلل من قيمة الانسان الذي هو أغلى ما في الكون
لذلك يجب التأكيد على ان يتبنى الناس الأفكار الإيجابية ويجب ان تحت أنفسنا على التفاؤل والسعادة لأنه اذا بدأ الانسان بالتشاؤم و بدأ بنشر هذا الفكر المتشائم بين أصدقائه و أسرته سيتكون عقل جمعي متشائم وبالتالي يؤثر على الأسرة و المجتمع
وهناك قاعدة خطيرة حول انتشار الفكرة بين الناس تقول القاعدة
أنه اذا كان في عقل الشخص فكرة و لنرمز أنها تمثل 100 وحدة وانتقلت من عقله الى عقل شخص أخر فانه يكون تأثيرها تأثيرها
( 1+1 ) أي تربيع أي ان تأثيرها هو 40,000 وحدة والأخطر أنه مع تطور العلوم الحديثة أصبح مفهوم العقل الجمعي أكثر شمول حيث لم يعد يقتصر على المجتمعات التقليدية فقط بل امتد ليشمل المجتمعات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في خلق نوع جديد يعرف ب
العقل الجمعي الالكتروني
و ذلك مع ظهور الانترنت ووسائل التواصل الحديثة ، أصبح تأثير العقل الجمعي و التفكير الجماعي أقوى من أي وقت مضى لأنها خلقت العقل الجمعي الالكتروني الذي يمكنه التأثير على ملايين البشر في وقت قصير ، و تشير الدراسات الى ان هذه المنصات قد تساهم في نشر الشائعات والأفكار دون التحقق منها مم يؤدي الى حدوث أزمة وعي لدى بعض المجتمعات حيث ينجرف الافراد وراء الجماعة دون تفكير مستقل
سلوك القطيع
ان من أهم من قام بأبحاث عن سلوك الجماعات جوستاف لوبون وهو عالم فرنسي وهو كاتب كتابه الشهير سيكولوجية الجماهير وهو طبيب و مؤرخ فرنسي وهو من أشهر المؤرخين الغربيين الذين أعطوا اهتمام لدراسة الحضارات الشرقية و العربية و اعترف بفضل الحضارة العربية والإسلامية على ما وصلت اليه الحضارة الاوروبية من تقدم و كان من أكثر المستشرقين انصاف للحضارة العربية و الإسلامية وكان اهتمامه شديد بالطب النفسي و قام بعمل الكثير من الأبحاث عن سلوك الجماعات وكل الوسائل التي تؤثر على تصرفات الجماعات و الجماهير و أيضا الثقافة الشعبية وتأثيرها في الجماعة و لذلك فأنه في منتصف القرن العشرين أصبح جوستاف لوبون و أبحاثه و أفكاره من أكثر المراجع التي يعتمد عليها علم النفس كما أنها أصبحت أيضا مرجع لكثير من الباحثين في مجاله
يقول جوستاف عن رأيه في الثورة الفرنسية لقد وجدت أحط اللصوص و القوادين و أسافل الناس يتحولون الى انبياء للدفاع عن الثورة
حيث ان في زمن الفوضى بشكل عام تنتشر الخرافات و يسقط المنطق ويتبع الناس الشخص المفوه كثير الكلام حيث نرى سذاجة الجماهير ومن شدة اشتياقها للحرية وثقت في نصابين و ديكتاتوريين في وقت تنتشر فيه ثقافة الصورة
حيث يقول
ان الفرد في الجمهور هو عبارة عن ذرة وسط رمال تحركها الريح كما تشاء
ان الفرد لوحده يمكن ان يكون عاقل ورزين و مثقف ولكن بمجرد ان يدخل في جماعة ذكاؤه يختفي و شخصيته تذوب و يتحول لكائن بدائي يتحرك بالعاطفة و ليس المنطق في الوضع العادي نجد ان
شخصية الفرد منفردة تماما عن الحشد
و لكن عمل الجماهير يعطي المشروعية و يعتقدون أنه صحيح
و لكن لو قام الفرد بتحليل هذا العمل بعقله لن يكون له أي مبرر سوى ان الأكثرية قامت بهذا العمل
حيث ان العقل الجمعي
هو ظاهرة نفسية نفترض فيها الجماهير ان التصرفات الجماعية في حالة معينة تعكس سلوك صحيح
و لكن عندما يفكر الشخص بمعزل عن الجماعة يمكن ان تكون النتيجة هي رفض السلوك ولذلك يجب تبني الأفكار الإيجابية باستمرار في سلوك القطيع ، يتبع الأفراد رأي الجماعة دون تحليل أو تفكير نقدي و نجد تأثير الفرد بالسلوك و العقائد و الأفكار السائدة للجماعة في المجتمع الذي نعيش فيه
حيث ان
الفكرة التي يؤيدها عدد كبير من الناس اذن هي فكرة جيدة
الفكرة التي يؤيدها عدد قليل من الناس هي فكرة شاذة
مم يؤدي الى
ـ اتخاذ قرارات خاطئة
ـ انتشار الشائعات
ـ ضعف التفكير الفردي
ـ التبعية العمياء
.webp)
لماذا يتبع الناس قادة متطرفين في ظاهرة سلوك القطيع
ان القائد المتطرف لا يجب ان يكون عبقري و لكنه يجب ان يكون ممثل بارع يستخدم لغة واثقة كما أنه يحدد عدد وهمي يلقي عليه كل مشاكل الناس و الأهم أنه يدعي أنه يملك الحقيقة المطلقة هذا القائد يعمل مثل المغناطيس يجذب القلوب المحطمة فهو لا يخاطب العقل و لكن يخاطب الاحتياج للتقدير أو الخوف من المجهول لهذا أتباعه لا يرده بشر ولكن مخلص و كلامه ليس مجرد رأي و لكن أمر مقدس لا يقبل النقاش
إيجابيات العقل الجمعي
1 - تعزيز التعاون و المساعدة في توحيد الجهود لتحقيق أهداف مشتركة
2 - نقل المعرفة و تبادل الخبرات و المعلومات بين الأفراد
3 - بناء المجتمعات و تعزيز الانتماء و تقوية الروابط الاجتماعية
4 - التفكير الجماعي قد يؤدي الى قرارات و حلول اكثر دقة
سلبيات العقل الجمعي
1 -يفقد الانسان قدرته على التفكير و التحليل و المنافسة و فقدان الاستقلال الفكري
2 - الجماعة دائما يعتقد أنهل على صواب حتى لو كان العكس صحيح
3- اختيار الموقف الذي يوافق الجماعة دائما
4 - ينساق المرء فيه وراء غرائزه البدائية
5 - يمكن لضغط الجماعة ان ينحرف تفكير الانسان السوي
6 - ان العقل الجمعي هو مستودع للأفكار الأخرين
7 - انتشار المعلومات الخاطئة و سرعة التأثر بالشائعات
8 - ضعف التفكير النقدي
و هذه السلبيات تزداد بشكل ملحوظ في المجتمعات التي تعتمد بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي
العقل الجمعي السلبي
هو الذي يرضى بالظلم و الاخلاق المنحطة و الأفكار الشاذة و يرفض النقاش و إحكام العقل و النطق
كما يتحول كل شخص رافض للجماعة الى منبوذ منها و غير مقبول
العقل الجمعي الإيجابي
هو الذي يتخذ من القيم الإنسانية العليا كالعدل و الحرية منهج للحياة حيث أنه طريق الرقي و الحضارة فكلما كانت الأفكار و القيم المجتمعية راقية كان العقل الجمعي راقي
كيف يمكن تحويل العقل الجمعي السلبي الى إيجابي
يمكن تغيير العقل الجمعي السلبي الى عقل جمعي إيجابي
اذا وجد العقل الواعي الذي يعتمد على التحليل و المنافسة و المنطق للوصول الى الحقيقة
الفرق بين العقل الفردي و العقل الجمعي
العنصر العقل الفردي العقل الجمعي
مصدر القرار الشخص نفسه الجماعة
أسلوب التفكير تحليلي عاطفي غالبا
الاستقلالية عالية منخفضة
التأثير محدود قوي جدا
و هذه الفروق توضح كيف يمكن ان يتحول الفرد من مفكر مستقل الى تابع للجماعة
تأثير المجتمع في اتخاذ القرار
من المتوقع ان يزداد تأثير العقل الجمعي مع تطور التكنولوجيا و الذكاء الاصطناعي و زيادة الاعتماد عليها و هذا يطرح العديد من التساؤلات المهمة
هل سيفقد الانسان استقلاله الفكري ؟
هل سيتمكن الانسان من توظيف العقل الجمعي بشكل إيجابي ؟
إجابة هذه التساؤلات تعتمد على وعي الافراد و مدى قدرتهم على التمييز بين التفكير المستقل و التبعية الجماعية
كيف تحمي نفسك من سلوك القطيع
للحفاظ على الاستقلال الفكري هناك عدة خطوات مهمة يجب اتباعها
ـ التفكير النقدي قبل تصديق أي معلومة
ـ التحقق من المصدر
ـ عدم الانحراف وراء الرأي العام
ـ تنمية الوعي والثقافة
ـ طرح الأسئلة دائما حول أي معلومة
ان العقل الجمعي قادر على التغيير لا محالة و تكمن خطورة العقل الجمعي في أنه قاهر تكمن سطوته في ان تغييره صعب فهو مقاوم و شرس و لذلك فهو يبقى سلاح ذو حدين يمكن ان يكون قوة عظيمة للبناء للمجتمعات ووسيلة لتقدمها
أو يمكن ان يتحول الى أداة خطيرة تسيطر على العقول و توجهها دون وعي لذلك يجب الموازنة و إعطاء مساحة للقرار الشخصي و التفكير النسبي فكلما كان الانسان واعي و مدرك لتأثيره استطاع ان يستفيد من قوته دون ان يفقد هويته و استقلاله
الفرق الحقيقي لا يكمن في وجود العقل الجمعي ولكن في كيفية تعاملنا معه ....
تعليقات
إرسال تعليق