ان أحد أهم المسلمات والثوابت هو التقويم الميلادي الذي نستخدمه
لكن ماذا لو علمنا أنه حوالي 3 قرون من التاريخ الميلادي هي فترة مزيفة لم تمر على البشرية ، وان كل الأحداث والشخصيات التاريخية التي نسبت إليها هي مزيفة ولم تحدث من الأساس ، لذا تعد فرضية الوقت الشبح من أكثر النظريات التاريخية إثارة للجدل اذا أنها تقوم على فرضية أنه ما يقرب من 300 سنة من التاريخ الأوروبي لم تحدث في الواقع و أنها أضيفت الى التقويم و ذلك اما عن طريق تلاعب أو نتيجة خطأ تاريخي ، وقد أثارت هذه الفرضية اهتمام عدد كبير من الباحثين و المؤرخين خاصة بعد انتشارها الواسع عبر الكتب و المواقع الالكترونية وهي فكرة مثيرة للفضول و التي لها مؤيدوها و آخرين لم يقبلوها من المؤرخين و علماء آثار الذين يرون ان الأدلة التي تستند اليها ضعيفة وفي هذا المقال سوف نعرض لشرح فرضية الوقت الشبح وآراء المؤيدين و لماذا يرفضها عدد كبير من الباحثين و ذلك مع عرض الحقائق التاريخية بصورة متوازنة
ما هي فرضية الوقت الشبح
فرضية الوقت الشبح
هي نظرية تاريخية تقول ان نحو 297 عام من التاريخ الأوروبي قد أضيفت الى التقويم دون ان تحدث فعليا ، وان السنوات الواقعة تقريبا بين 614 م و 911 م ليست جزء من التاريخ الحقيقي و يؤكد أصحاب النظرية ان
التاريخ الذي نستخدمه اليوم يسبق الزمن الحقيقي بحوالي ثلاثة قرون
مم يعني ان
بعض الأحداث و الشخصيات المنسوبة الى تلك الفترة قد تكون غير موجودة أصلا و لكنها تبقى نظرية و فرضية غير مثبتة 100 % حيث انه لم تعتمدها المؤسسات الأكاديمية أو الجامعات المتخصصة في دراسة التاريخ و المؤرخون المدققون في الأحداث التاريخية
هيربرت إيليغ صاحب نظرية الوقت الشبح
البداية في سنة 1986م في مدينة ميونخ الألمانية في مؤتمر علمي دولي عن علوم الآثار
هذا المؤتمر الذي آثار الجدل وقتها في العالم حيث أنه كان يناقش التزوير التاريخي الذي قامت به الكنيسة الكاثوليكية في وثائق القرون الوسطى ، و تم عرض وثائق و مستندات كانت الكنيسة قامت بتزويرها في زمن الإمبراطورية الرومانية و التي تتضمن أحداث و اتفاقات مذكورة في كتب التاريخ لكنها في الحقيقة لم تحدث و أشخاص تم ذكرها في هذه الفترة و لم يكن لهم وجود من الأساس و من ضمن الذين حضروا في هذا المؤتمر
الباحث و المؤرخ الألماني هيربرت إيليغ
و الذي يرجع له الفضل في طرح هذه الفرصة والتي نشرها في عام 1991م ، قدم هيربرت فرضيته في عدد من المقالات و الكتب و نشر فرضيته التي قلبت الأوساط البحثية في العالم كله و أسماها فرضية { الوقت الشبح } حيث رأى ان بعض الأحداث التاريخية في أوروبا خلال العصور الوسطى لا تستند الى أدلة كافية و ان هناك فترة زمنية كاملة ربما أضيفت الى التسلسل المعروف ، و قد لاقت أفكاره انتشار واسع بين المهتمين بالنظريات التاريخية غير التقليدية لكنها لم تلقى قبول لدى عدد كبير من المؤرخين
كيف ظهرت فكرة إضافة 300 سنة الى التاريخ
يرى مؤيدو فرضية الوقت الشبح ان هناك عدة أسباب دعتهم الى الاعتقاد بوجود سنوات مضافة ومن ابرزها
ـ قلة الوثائق التاريخية التي تعود الى بعض فترات العصور الوسطى و ذلك ان الفترة ما بين سنة 614م و حتى سنة 911 م اختزلت من التاريخ و تأرخت بشكل خاطئ و هذه الفرضية التي تستند الى ان الاستدلال الوحيد على وجود هذه الفترة لا يوجد غير في المصادر المكتوبة على يد مؤرخي العصور الوسطي
ـ وجود فجوات في بعض السجلات الأوروبية
ـ كما أنه لا توجد أي آثار أوروبية ملموسة ترجع للحقبة بين 614 م الى 911 م و تبدو و كأنه لا يوجد أي معالم تم بناؤها فيها على الاطلاق ، حيث ان المباني الدينية في أوروبا في القرن السابع و الثامن و التاسع معدومة تقريبا حتى ان أساليب البناء في القرن العاشر كانت هي تقريبا نفس أساليب بناء الإمبراطورية الرومانية التي انتهت في القرن الخامس الميلادي و لا يوجد سبب لعدم تطوير أساليب البناء لفترة أربعة قرون إلا اذا كانت هذه الفترة مزيفة و لم تحدث من الأساس
ـ حيث تاريخيا يوجد اختلاف في أساليب البناء و العمارة بين فترات تاريخية متقاربة
ـ الاعتقاد بوجود أخطاء في حساب السنوات عند الانتقال بين بعض التقاويم
ـ هذه العوامل تشير الى ان التسلسل الزمني المعروف قد لا يكون دقيق بالكامل
ومع ذلك
يؤكد الباحثون ان هذه الملاحظات لا تكفي لإثبات حذف أو إضافة مئات السنين من التاريخ
السنوات المفقودة من التاريخ
العلاقة بين التقويم اليوناني و التقويم الجريجوري
البابا جريجوري ال 13 قرر ان يوقف استخدام التقويم اليوناني القديم و يبدله بنسخة معدلة أسماها على اسمه وهي
التقويم الجريجوري
حيث ان البابا جريجوري كان يرى وجود مشكلة في هذا التقويم و ذلك ان السنة كانت أطول بحوالي 11 دقيقة و هذا مع مرور الزمن يجعل الأعياد الدينية تتغير مثلا عيد الفصح يأتي بعد موعده و عيد الكريسماس وهو عيد ميلاد السيد المسيح يأتي في يناير بدل ديسمبر لذلك قرر البابا جريجوري ان يصلح هذا الخطأ بان يضيف 10 أيام حتى يعوض الفرق الذي احدثه ال 11 دقيقة على مدار 1600 سنة ولكن عندما حسب ايليغ الفرق وجده 13 يوم و ليس 10 أيام كما كان يعتقد البابا جريجوري و هنا يوجد 3 أيام مفقودة مم يعني وجود 3 قرون كاملة تمت إضافتها على التقويم الجديد الذي يستخدمه العالم كله حتى اليوم
حقيقة الوقت الشبح
بحسب كلام ايليغ فانه توجد مؤامرة كبيرة قام بعملها الامبراطور الروماني اوتو الثالث وبابا الكنيسة سلفستر الثاني و الإمبراطور قسطنطين السابع و ذلك بأنهم زيفوا التاريخ و التقويم معا لأنهم كان يوجد لديهم معتقد ان المسيح سوف يعود في سنة 2000 ميلادية وكان الإمبراطور أوتو يريد ان يؤرخ يؤرخ عهده و الفترة التي كان يحكم فيها الإمبراطورية على أنها سنة 1000 ميلادية لأنه في اعتقاده سيكون له أهمية تاريخية و دينية لأنها حكم الإمبراطورية في منتصف فترة حكم المسيح و هذا طبقا لتفكيره حيث كانوا يقدسوا الأرقام بشكل غريب كما ألفوا من خيالهم أحداث و شخصيات تاريخية مشهورة جدا في التاريخ الأوروبي مثل الملك ألفريد و الإمبراطور شارلمان الذي يعتبر أحد أشهر أباطرة التاريخ و الذي حكم أوروبا الغربية
و بحسب كلام ايليغ
الملك ألفريد و الإمبراطور شارلمان شخصيات أسطورية و غير حقيقية مثل أسطورة
الملك آرثر المعروفة
و الفترة التاريخية التي ينتموا لها هي فترة مزيفة ثم إضافتها للتاريخ حتى تخدم مصالح الإمبراطورية حيث ان الأحداث التي تعود لهذه الفترة في أوروبا و المناطق المجاورة لها اما وقعت في فترة مختلفة أو لم تقع على الاطلاع
هذا الطرح الذي فرضه هربرت في فرضيته الوقت الشبح انتشر كالنار في الهشيم في الأوساط العلمية و عرفت مؤيدين و معارضين لها حيث ان حجج المؤيدين كانت أقوى و لا يزال الجدل و اثر حول هذه الفرضية
لماذا يرفض المؤرخون فرضية الوقت الشبح
يرفض أغلب المختصين هذه الفرضية لعدة أسباب علمية و تاريخية
وجود مصادر تاريخية أخرى
ـ الحضارة الإسلامية
ـ الإمبراطورية البيزنطية
مناطق أخرى من العالم
وتتوافق هذه المصادر مع التسلسل الزمني المعروف مم يجعل فكرة لإضافة 300 سنة أمر صعب
الأدلة الأثرية
أظهرت نتائج التاريخ بالكربون المشع و تحليل الآثار ان القطع الأثرية تعود بالفعل الى الفترات الزمنية المعروفة و لا تشير الى وجود فجوة زمنية كبيرة
السجلات الفلكية
اعتمد العلماء على تسجيلات قديمة للكسوف و الخسوف و حركة الأجرام السماوية و تبين أنها تتوافق مع التقويم المستخدم حاليا
هل توجد فرضيات تاريخية مشابهه
شهد التاريخ ظهور عدد من النظريات التي تشكك في التسلسل الزمني للأحداث مثل فرضيات إعادة ترتيب بعض العصور أو التشكيك في تواريخ معينة و لكن هذه النظريات لا يتم قبولها إلا اذا دعمها أدلة قوية و متعددة المصادر
ولهذا تبقى فرضية الوقت الشبح ضمن النظريات المثيرة للاهتمام و لكنها ليست جزء من التاريخ المعتمد
تأثير الانترنت في انتشار فرضية الوقت الشبح
ساهمت مواقع الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في انتشار هذه الفرضية بشكل واسع حيث جذبت الكثير من المستخدمين بسبب طبيعتها الغامضة و لكن البحث التاريخي يعتمد على الأدلة و الوثائق و التحليل العلمي
هل يمكن اثبات فرضية الوقت الشبح مستقبلآ
لا يمكن استبعاد أي فرضية علمية أو تاريخية من حيث المبدأ لكن قبولها يتطلب وجود أدلة قوية يمكن التحقق منها وحتى الأن لم يظهر اكتشافات أثرية أو وثائق جديدة تثبت أنه نحو 300 سنة من التاريخ الأوروبي قد أضيقت الى تقويم و لهذا تبقى فرضية الوقت الشبح موضوع للنقاش و البحث
أشهر الانتقادات الموجهة لفرضية الوقت الشبح
يرى الباحثون ان الفرضية تواجه عدة انتقادات أبرزها
ـ تجاهلها للمصادر التاريخية القادمة من خارج أوروبا
ـ اعتمادها على استنتاجات أكثر من اعتمادها على أدلة مباشرة
ـ تعارضها مع نتائج علم الآثار و التاريخ بالكربون المشع
ـ عدم توافقها مع السجلات الفلكية القديمة
ـ غياب التأييد من المؤسسات الاكاديمية المتخصصة
تبقى فرضية الوقت الشبح واحدة من أكثر النظريات التاريخية إثارة للاهتمام لأنها تطرح سؤال غير مألوف حول دقة التسلسل الزمني للتاريخ الأوروبي و مع ذلك فان الأدلة المتوفرة حتى الأن لا تدعم فكرة إضافة نحو 300 سنة الى التاريخ لذلك من الأفضل التعامل مع فرضية الوقت الشبح باعتبارها موضوع للنقاش الفكري و البحث التاريخي و ليس كحقيقة مثبتة و ذلك تطبيق لمبدأ التمييز بين الفرضيات المثيرة و الحقائق التي تدعمها الأدلة العلمية
ولا يزال الغموض مستمر ........
تعليقات
إرسال تعليق